التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

إيران: سفر عبر التاريخ والحضارة

  خيوط الفجر تتسلل إلى هذه البقعة من الأرض، نسمات باردة تهب من أقصى الشمال حيث بقايا ثلوج شتوية بدأت بالذوبان من أعلى قمم جبال البرز، وسيارتنا تشق طريقها الطويل من مطار الخميني الدولي إلى وجهتنا في فندق يتربع على زاوية في قلب العاصمة طهران قال لنا مرشدنا محسن سالم الذي يتقن العربية تماما إنه بني قبل حوالي أربعين عامًا، ويجاوره أكبر حديقة تتوسط العاصمة تحمل ذات الاسم. من نافذة غرفتي أطلت النظر إلى برج ميلاد، وهو يعانق السحب بطوله الفارع ويناطح بقامته العالية تلك الجبال المكسوة بياضًا والتي لطالما حرست العاصمة الثانية والثلاثين لإيران بعد أن قرر الملك القاجاري آغا محمد خان نقل العاصمة من شيراز إلى طهران في عام 1795. طهران أو كما تلفظ بالفارسية تهران وتعني بذات اللغة الأرض المنبسطة التي تتموضع على سفوح جبال البرز العملاقة، مدينة مكتظة بكل شيء بالبشر والعمران والتاريخ. سكانها يصل عددهم إلى عشرين مليون نسمة من أصل ثمانين مليونا يتوزعون على باقي مدن ومحافظات البلاد، مدينة لا تعرف الهدوء والراحة حتى في منتصف الليل وساعات الصباح الأولى هي مزدحمة ومكتظة ومرجع ذلك يعود إلى تمركز الكث...

حلوى و متاي

عرفت البحرين حتى قبل أن أعرف مسقط، الآيبون من غربتهم في قريتنا أطلقوا اسم البحرين على السكة التي نسكنها في حارتنا القديمة فصارت البحرين بمثابة البيت والحضن الذي نأوي إليه كل يوم، كبرت وعرفت أن البحرين شقيقة لنا وأن من رحلوا إليها لطلب الرزق من الأوائل عادوا محملين بكثير من الذكريات الجميلة فأصروا على تخليد ذكرياتهم في حارتهم، وعرفت أيضا أن البحرين ما هي إلا اسم اشتق من نضوح البحر المالح في نواحيها الأربع وأن اليابسة والماء يطفوان على بحر من المياه العذبة. عرفت أيضا أن تاريخ البحرين أقدم من تاريخ حارتنا بسنين مديدة، فدلمون القديمة أشارت إليها نصوص سومرية تعود إلى نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد واصفة إياها بأنها «مركز تجاري مزدهر وحيوي بالنسبة للاقتصاد السومري»، مثل النص السومري القديم الذي كتب قبالة بئر «إنكي» داخل قلعة البحرين يتحدث عن أن هذا البئر هو هبة الماء إلى أرض دلمون.. دع الشمس تأتي بالمياه العذبة من الأرض. دع دلمون تشرب المياه الوفيرة. دع ينابيعها تصبح ينابيع المياه العذبة. دلمون، تايلوس، أرادوس، أوال كلها أسماء تسمت بها البحرين قديما ولا يزال بعض من هذه الأسماء م...

نأكل ما لا نزرع

 أتساءل كثيرا كيف وصلت أرقام الأيدي العاملة الوافدة في هذه البلاد إلى أرقام قاربت أعداد السكان الأصلية وستفوقها عددًا خلال السنوات القليلة القادمة فنحن لا نعد أو نصنف من الدول الصناعية التي هي بحاجة إلى عمالة لتسيير مصانعها، ولا نصنف أيضا بأننا من الدول التجارية التي هي بحاجة إلى تسيير تجارتها عن طريق استقدام الأيدي العاملة إضافية، ولسنا من الدول الزراعية التي يعتمد اقتصادها على ما يزرع في أرضها ويستهلك داخل أو خارج أرضها فنحن لا زلنا وكما قال جبران خليل جبران بأننا «نلبس مما لا ننسج، ونأكل مما لا نزرع، ونشرب مما لا نعصر» وإذا كنا كذلك فيبقى السؤال أين تتركز هذه الأيدي العاملة، وماذا تفعل وما الذي نقوم به نحن وما الذي تقوم به هذه الأيدي العاملة التي استوردناها؟ . إحصاءات رسمية حاولت إيجاد إجابات لتلك التساؤلات موضحة أن معظم هذه الأيدي العاملة هي من الأيدي العاملة غير الماهرة التي لا تحمل مؤهلات دراسية عالية أي أن مؤهلاتها الدراسة لا تتجاوز الإعدادية العامة وبعضها ليس لديه حتى إلمام بالقراءة والكتابة في حين أن الأيدي العاملة الماهرة لا تتجاوز نسبتها العشرة في المائة من مجمل ا...

وادي الحريم

اسمها غريب ومن غرابته تحاول ألا يقع عقلك في المنطقة الم حرمة من التفكير في محاولة منك لإيجاد تفسير منطقي لتسميتها؛ حتى من زفر فيها أول أنفاسه لم يفلح في إيجاد تفسير مقنع لتسمية أجداده الأوائل لها. وادي الحريم؛ يتندر أهلها بأنها مكان يزيد فيه عدد الحريم عن عدد الرجال بسبب حروب قد نشبت في الماضي بين القبائل القاطنة على ضفتيه ولكن قد تتبدى الحرمة هنا في أن النتائج الأليمة لتلك الحروب حتمت على أهلها تحريم الحرب على قبائلها أو قد يعزو بعض سكان الوادي سبب هذه التسمية كون أن الوادي له إحرامات وأن أحجاره البيضاء الصلدة ينبغي لها أن تبقى بعيدة عن أراضي الوادي الخصبة التي تنبت فيها فواكه الجنة التفاح والرمان. دعوة تطلب الوفاء بها عاما كاملا؛ مضيفنا لم يعد بكثير من المفاجآت في واديه لكن جمال الاسم وقوة وقعه على القلب جعلنا نقبل ضيافته من دون تردد؛ شددنا الرحال الى تلك القرية النائمة بين أحضان جبال تطوقها من اليمين والشمال لتبقيها هائنة هادئة وادعة لا يكدر صفوها ضجيج ولا تلوث فقط هنالك الصمت والسكون اللذان يطبقان على المكان باستثناء بعض أصوات آتية من أعلى الجبل لثغاء شياه أو رغاء ناقة تبحث عن و...

أبيض و أسود

افتقدت المتفائلين في هذه الحياة، جل من التقي بهم هم من فئة الأسود التي ترى الدنيا برمتها سوداء كالحة وأن الحياة ليس فيها ما يدعو الى التفاؤل فكل ما يحيط بك هو ظلام دامس بدءا من اختفاء البسمة من ثغر الطفل وانتهاء بالحروب والمجازر التي ترتكب في أرجاء المعمورة وكل هذا كفيل بتحويل حياة من فكر في الفرح الى حزن وترح فالحياة ليس فيها سوى الأسود. جالست وخالطت الكثيرين ممن ينتقدون كل شيء في الكون هم غير راضين عن وزنهم الزائد ولا عن وضعهم المالي وغير مقتنعين بزوجاتهم وأولادهم ويعانون مشاكل صحية يتذمرون منها كل يوم، لا تعجبهم خدمات الحكومة فهي دائما ناقصة وغير مكتملة وتعاني من بيروقراطية زائدة، يشتكون من الزحام اليومي الذي بات روتينا وجزءا من حياتهم الصباحية، لا يتلفظون بـ»شكرا وأحسنت» لأحد لأن لا أحد يستحق الشكر والتقدير سوى خالق الكون فقط، اعتادوا التذمر والشكوى بسبب وغير سبب هم متجهمون ومكتئبون في أحسن حالاتهم لا ترى لهم ابتسامة ولا تسمع لهم ضحكة وان تبسم فجأة أو ضحك عاد الى تجهمه فاستغفر الله راجيا أن لا يحدث مكروه لأحد بسبب ابتسامته. هؤلاء الذين خلعوا ثوب البياض وتوشحوا بالسواد، تر...

بحثا عن الخلود

من عجب هذه الدنيا أن الإنسان فيها موقن بأنه غير خالد، وأن مآله يومًا إلى الفناء والموت، ولكنه مع ذلك يبحث عن ترياق الخلود، فحبه للحياة وملذاتها يدفعانه إلى البحث عما يطيل له أيامها، وقد تكون هذه غريزة بشرية غرسها الله في البشر منذ خلقهم فأبو البشر جميعًا وإنسان الأرض الأول أبونا آدم -عليه السلام- لم يمكث فترة طويلة إلا وبحث عما يخلده في هذه الأرض فصدق بذلك وعد إبليس بالخلود إن هو أكل من شجرة الخلد التي لم تكن سوى شجرة حرَّمها الله على آدم وزوجه لاختبارهما. بحث الإنسان عن الخلود سطره فيما كتب ودون وما ترك من أثر، فأسطورة أخيل مثلا تحكي لنا قصة تعميد أمه وغمسها له في نهر الخلود كي يحيا خالدًا أبد الدهر لكن الأسطورة تشير إلى أن سهما أصاب عقب أخيل غير المغمسة بالماء فقتله، كذلك أسطورة جلجامش التي تتحدث عن بحثه عن الخلود بعد وفاة أقرب أصدقائه أنكيدو، فهام في البرية بحثًا عما يخلده حتى وصل إلى أن عشبًا سحريًا تحت البحر يمكن أن يرجع له الشباب فيقرر الغوص حتى يجده لكن أفعى سبقته إلى أكل تلك العشبة فضاع أمله في الخلود. كما حاول فراعنة مصر القدماء تخليد أجسادهم بتحنيطها بمواد لم تعرف ...

يوميات صحفي مكتئب

من المحبط حقا أن تجد أن وظيفتك التي أفنيت فيها زهرة شبابك وتتكسب من ورائها لقمة عيشك وعيش أبنائك هي اليوم من المهن العشرة المهددة بالانقراض وأنك ستصير عما قريب مخلوق مهدد بالانقراض وسيكون حالك حال الديناصور الذي تكالبت عليه مهالك الزمان والمكان فأصبح رميما في الارض، ومما يدعو للكآبة والاحباط معا أن يصنفك مكتب العمل الامريكي من ضمن فئات المهن الدنيا التي لا يوصى ولا ينصح بها لانها من المهن التي لن يجد ممتهنا لقمة عيش يقتات ويقيت أولاده بها إن هو استمر وأصر على ممارستها رغما عن التحذيرات المتتالية للابتعاد عنها، تلك هي يا أعزائي مهنتي مهنة الصحافة التي وصفها الاقدمون بأنها السلطة الخامسة وصاحبة الجلالة ومرآة المجتمع تقارن اليوم بمهن الحطاب والطباخ وحراس السجون وسائقي سيارات الاجرة. ليس هذا ما أثار حفيظتي من كلام اعتدنا عليه نحن الصحفيين الورقيين من أفواه بعض أعدائنا القادمين إلينا من الشاشات المسطحة التي لا يعرف أصحابها الكثير عن العالم الحقيقي سوى تبشيرنا في كل شاردة وواردة بأن فترات بقائنا على هذا الكوكب معدودة وفرص بقائنا في مهنتنا هذه مفقودة، ولكن ما أثار حفيظتي ورفع عقيرتي هو ...