التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هيئة أم وزارة ؟

 
في جهازنا الحكومي أهل الوزارات يحسدون أهل الهيئات على ما من به الله عليهم من مكارم وهبات ومنح تميزهم عنهم في كثير من الأمور لعل أولها وأفضلها وأجملها هي ميزة الرواتب التي يتقاضاها موظفو تلك الهيئات مقارنة بنظرائهم من موظفي الوزارات. بل ويتمنون ويدعون الله أن يستجيب لدعائهم في يوم ما وتتحول وزارتهم بقدرة قادر الى هيئة عامة كانت أم خاصة فالأمر سيان بالنسبة لهم.
الأمر هنا يتعدى الحسد المعروف فهذا أمر مفروغ منه ليتجاوزه إلى بعض النظرات الجارحة التي ينظر بها أهل الهيئات إلى أهل الوزارات، فنظرة موظف الهيئة إلى أخيه موظف الوزارة إن اجتمعا في محفل أو مكان أو عمل ما فهي تدل على أنه أفضل منه حالا وأعز منصبا فهو لا يخضع مثله لقانون الخدمة الذي يساويه بغيره من مئات الآلاف التي تخدم في قطاعات الوزارات الخدمية.
بدأنا مؤخرا في تكثير عدد الهيئات العامة والخاصة وما شاكلها من مؤسسات وشركات ومجالس عليا وغيرها من المسميات التي بات الهدف الرئيسي والحقيقي منها هو البعد عن قانون الخدمة المدنية الذي بات في نظر الكثير من الموظفين والمسؤولين يمثل عائقا في تقدم أية جهة حكومية ويكبح جماح منح المسؤول الأعلى لتلك الهيئة أو المؤسسة سلطات أعلى من سلطات نظيره الخاضع لقانون الخدمة، ويحرم الموظف من الكثير من الامتيازات التي يمكن أن يحصل عليها في ظل الهيئة إن استرضى مسؤوله ورضي عنه.
بحسبة بسيطة لعدد الهيئات فقط ولا يدخل ضمن ذلك الشركات الحكومية ولا المجالس وما شاكلها من كيانات منفصلة عن نظام الخدمة من أن عددها خلال هذا العام قد وصل الى ما يقارب الخمس عشرة هيئة، في حين أن عدد الوزارات في الحكومة لا يتعدى العشرين وزارة. ورقم الهيئات مرشح للارتفاع أكثر من الرقم الآخر بسبب ما ذكر أعلاه من أسباب.
هل يمكن القول إن ما يحدث حاليا من تفكيك للجهاز الإداري والحكومي في الدولة هو من باب  الموضة؟ أم من باب الحاجة؟ أم من باب الهروب من نظام بات حتى أهله يصفونه بأنه يمثل عائقا في تقدم مؤسسات الدولة الحديثة في عصر بات لا يعترف بالبيروقراطية والروتين وكثرة عدد الأوراق والتوقيعات وانتظار أمر فلان والانتهاء بأمر علان. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نواجه الأمر بشجاعة مطلقة ونبدأ في تكسير ذلك القانون الهرم وإحالته للتقاعد وإعطاء كثير من الصلاحيات والمميزات لوزارات الجهاز الحكومي مع إبقاء الرقابة عليها واستشراف مستقبل جديد للأجيال القادمة التي باتت تنظر الى أن العمل في القطاع الحكومي يساوي الالتصاق بكرسي الوظيفة وانتظار الترقية والنوم على وسادة أن حالي هو حال غيري عملت أم لم أعمل لأن لا أحد في كل الحكومة يملك أن يزحزحني عن وسادتي التي أنام عليها في ظل الحكومة.
سمعنا كثيرا عن قانون سيوحد موظفي الدولة تحت راية واحدة وسيشملهم كلهم بعنايته ورعايته بدون تمييز بين موظف في هيئة أو وزارة أو مجلس أو شركة أو ما شاكلها من وظيفة تخضع لمظلة الحكومة، وقد طال انتظار الكثيرين لهذا القانون ــ إن كان ثمة صحة له ـــ وبدأ بعضهم في حساب كيف سيكون وضعي عندما تتم مساواتي بزميلي الذي كان يجلس بجانبي وانتقل إلى تلك الهيئة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة على ورق

      تختزن ذاكرتي بعض الصور القديمة عن مجلة أطفال كنت اشتريها كلما سنحت لي فرصة زيارة مدينة أكبر من قريتي، لم ترسخ في ذاكرتي قصص تلك المجلة ولا رسوماتها، فما رسخ وتسرب الى قاع عقلي هي صور الصغار التي كانت تزين الصفحات الداخلية لتلك المجلة، وكنت أتمنى لو أنه في يوم من الايام كانت صورتي وأنا مبتسم على إحدى تلك الصفحات وأكتب عن هوايتي بأنها " المراسلة"، فأبدأ في رسم صورة الكم الكبير الهائل من الرسائل التي تصلني عبر البريد من أصدقاء افتراضيين من كل العالم ومن كل الجنسيات ومن كل الاجناس يكتبون لي عن أنفسهم واسرتهم وأماكن اقامتهم وهواياتهم وأكتب أنا اليهم عن صور خيالية عما كنت أحلم به من حياة غير حقيقية لم تكن قريتي الصغيرة قادرة على توفيرها لي. أذكر أنني كتبت عن نفسي لاهلي في سن متأخرة بعدما خرجت من الجامعة وأكملت تعليما عاليا في دولة متقدمة في مجال البريد، كنت أرسل صوري التي أتباهي بها الى اسرتي وفي الخلف تعليق طريف على ذلك المشهد، كنت أستمتع بوضع تلك الصور في مظروف والذهاب الى مكتب البريد في الجهة المقابلة لمكان الاقامة، ولم يكن الرد ليأتي برسائل كالتي أرسلها ...

أنسنة المدن

قد لا  اجافي الحقيقة إن قلت أن التخطيط الحضري القديم كان أفضل في نوعه من التخطيط الحديث بمرات عديدة، المدينة أو القرية القديمة كان تخطيطها يعتمد في أساسه على ال انسان وحاجته ومتطلباته اليومية م ع ابقاء الخدمات المصاحبة قريبة من متناول الانسان الساكن وتوفير البيئات الصالحة للسكنى بأقصى معايير الجودة والنظام بحيث لا يتداخل او يتدخل أو يزاحم أي مرفق على مرفق آخر فالجزء يخدم الكل والكل يشكل منظومة  سكانية  حضرية يتداخل فيها الانسان مع حيزه المكاني. مع  التمدد الحضري  وزيادة عدد السكان في القرى والمدن لم يعد بالامكان السيطرة على الزحف العمراني فدخلت الكثير من المفاهيم العشوائية على اسلوب ونسق المدينة العربية والاسلامية والعمانية وغابت الكثير من التفاصيل التي كانت حاضرة في المدينة القديمة ولم يعد ذلك النظام موجودا ولا تلك الروح التي كانت تميز المدن عن بعضها بل ذابت كل تلك العناصر واصبحت المدن والقرى عبارة عن نسخة ممسوخة من  تخطيط حضري ظل طريقه. تتشابه مدننا وقرانا تشابها متطابقا في كونها مدنا ليست بالصديقة للانسان وانما هي أقرب الى علب اسمنتيه ليست بذات حياة ممزو...

الكفر الحلو

عرضت نفسي لجرعات من القراءة عن الذات وفهم النفس البشرية والعلاقة بين الروح والجسد، قرأت في الكثير من الثقافات والفلسفات الغربية والهندية والفارسية والتركية والعربية لمعرفة ماهية الإنسان والحكمة من خلقه، وعلاقته بخالقه وعلاقة الخالق به، وإلحاده وإيمانه، وتعصبه وتشدده، وعشقه ومقته، ومتى يصل الإنسان إلى المرحلة التي يجاهر فيها بكفره بالخالق. مما وقعت يدي عليه من قراءات كان عن الفكر الصوفي والتصوف في كل الملل والنحل فقرأت بعضا من كتابات الحلاج وابن عربي وأبو حامد الغزالي وقواعد العشق عند جلال الدين الرومي وبعض كتابات العمانيين عن التصوف (كانوا يطلقون عليه السلوك بدلا من التصوف) من أمثال الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي في كتابه نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وهو شرح لتائيتي ابن الفارض وأشعار الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي التي حملت مسحا من السلوك أو التصوف مثل سموط الثناء وعلى باب الكريم وغيرها من الأشعار والقصائد التي حملت حبا وعشقا وهياما في الذات الإلهية. غير أن أكثر ما ترك في ذاتي أثرا كبيرا عن الحب الإلهي هي رواية « قواعد العشق الأربعون، رواية عن جلال الدين الرومي» للروائية الت...