التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أحجار الجمعيات الاهلية

    رياح التغيير التي عصفت بالعالم العربي طالت الكثير من الأمور المسكوت عنها وحركت أحجارها الراكد من المياه وبدأت هذه المياه التي تأثرت بفعل هذا الحجر في التحرك والانسياب والجريان حتى وإن كان هذا الجريان صغيرا وقليلا إلا أن المتفائلين منا يفضلون السيلان البطيء عن عدم السيلان أصلا.


كما هبت تلك الرياح على كثير من عواصمنا العربية وصلت إلينا محملة ببعض الأتربة والاغبرة التي نتمنى أن يصفو جونا منها قريبا لتعود سمائنا كما كانت وكما عرفناها دائما صافية يمكن الاستمتاع بجوها الجميل بعيدا عن حرارة رياح التغيير.

هذه الرياح طالت فيما طالته مؤسسات المجتمع المدني وأعني بها هنا الجمعيات الأهلية، خصوصا جمعيات الثقافة والفن والإعلام التي يعلق عليها الكثير من منتسبيها آمالا عراضا في الارتقاء بالمشهد الثقافي والاجتماعي والاعلامي هنا في السلطنة.

غير أن ما تنوقل من أخبار عن وجود بعض الشقاق والخلاف بين تلك الجمعيات ومنتسبيها من جهة وبين تلك الجمعيات ودورها في المجتمع من جهة اخرى يثير في النفس تساؤل هو هل استطاعت هذه الجمعيات تحقيق ما قامت من أجله؟ ولماذا خفت بريق الكثير منها بعد إشهارها؟ ولماذا هجر الكثير من الأعضاء تلكم الجمعيات واكتفى بمشهد المراقب وربما وصل الأمر ببعضهم إلى مهاجمة الجمعية التي افتخر في أول يوم التحق بها بأنه عضو فيها؟


المراقب لحال الجمعيات الأهلية في العالم يجد أن الكثير منها يعاني من نفس ما تعاني منه جمعياتنا من مشاكل لا سيما في عالمنا العربي بسبب غياب الإدارة الصحيحة والمناسبة لهذه الجمعيات، فالكثير ممن تم انتخابهم لرئاسة مجالس إدارة هذه الجمعيات هم من الشخصيات المشهورة والمعروفة على صعيد المجتمع المحلي ولا شأن لهم بالإدارة وربما يكونون غير قادرين على إدارتها إدارة صحيحة بالإضافة إلى أن هؤلا الرؤساء هم في الأصل أشخاص مشغولون في حياتهم اليومية ما بين عمله الأصلي وأسرهم، وتكون النتيجة هي تحميل رئيس مجلس الإدارة أي إخفاق أو تقصير في تسيير شؤون إدارتها، وان طلب هذا الرئيس إعفاء من هذا المنصب الذي لا يعود عليه -من وجهة نظري- سوى بالخسارة فلن يقبل اعتذاره لأنه بكل بساطة هو الأنسب لقيادة الجمعية، وهذا ما يحدث في جمعياتنا الأهلية وعلى الأخص الجمعيات التي تحمل لواء الثقافة والإعلام في بلادنا.

ناقشت موضوع تعثر دور الجمعيات الأهلية في السلطنة مع شخص منتم إلى إحدى الجمعيات فأجاب بأن الحكومة قد تكون سببا في تعثر أداء هذه الجمعيات، وعندما استغربت كلامه قال بأن إشراف وزارة التنمية الاجتماعية المباشر واللصيق بهذه الجمعيات وقانون الجمعيات الأهلية هو سبب مباشر في عدم إعطاء هذه الجمعيات الصلاحيات المطلقة في التعبير عن رأيها والمساهمة في بناء المجتمع لان كل شيء لدى الوزارة بقانون ولا يحق لأي جميعه أن تقوم بأي شيء في المجتمع إلا بعد أخذ الإذن من الوزارة وقالها بين قوسين " الحكومة".

قد تكون الحالة الراهنة التي تمر بها جمعياتنا الأهلية بحاجة إلى حجر يحرك مياهها الراكدة لتجري مياه هذه الجمعيات وتغمر كل هذه الأرض الطيبة ويفرح الشعب بقدوم مواسم الخصب.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة على ورق

      تختزن ذاكرتي بعض الصور القديمة عن مجلة أطفال كنت اشتريها كلما سنحت لي فرصة زيارة مدينة أكبر من قريتي، لم ترسخ في ذاكرتي قصص تلك المجلة ولا رسوماتها، فما رسخ وتسرب الى قاع عقلي هي صور الصغار التي كانت تزين الصفحات الداخلية لتلك المجلة، وكنت أتمنى لو أنه في يوم من الايام كانت صورتي وأنا مبتسم على إحدى تلك الصفحات وأكتب عن هوايتي بأنها " المراسلة"، فأبدأ في رسم صورة الكم الكبير الهائل من الرسائل التي تصلني عبر البريد من أصدقاء افتراضيين من كل العالم ومن كل الجنسيات ومن كل الاجناس يكتبون لي عن أنفسهم واسرتهم وأماكن اقامتهم وهواياتهم وأكتب أنا اليهم عن صور خيالية عما كنت أحلم به من حياة غير حقيقية لم تكن قريتي الصغيرة قادرة على توفيرها لي. أذكر أنني كتبت عن نفسي لاهلي في سن متأخرة بعدما خرجت من الجامعة وأكملت تعليما عاليا في دولة متقدمة في مجال البريد، كنت أرسل صوري التي أتباهي بها الى اسرتي وفي الخلف تعليق طريف على ذلك المشهد، كنت أستمتع بوضع تلك الصور في مظروف والذهاب الى مكتب البريد في الجهة المقابلة لمكان الاقامة، ولم يكن الرد ليأتي برسائل كالتي أرسلها ...

أنسنة المدن

قد لا  اجافي الحقيقة إن قلت أن التخطيط الحضري القديم كان أفضل في نوعه من التخطيط الحديث بمرات عديدة، المدينة أو القرية القديمة كان تخطيطها يعتمد في أساسه على ال انسان وحاجته ومتطلباته اليومية م ع ابقاء الخدمات المصاحبة قريبة من متناول الانسان الساكن وتوفير البيئات الصالحة للسكنى بأقصى معايير الجودة والنظام بحيث لا يتداخل او يتدخل أو يزاحم أي مرفق على مرفق آخر فالجزء يخدم الكل والكل يشكل منظومة  سكانية  حضرية يتداخل فيها الانسان مع حيزه المكاني. مع  التمدد الحضري  وزيادة عدد السكان في القرى والمدن لم يعد بالامكان السيطرة على الزحف العمراني فدخلت الكثير من المفاهيم العشوائية على اسلوب ونسق المدينة العربية والاسلامية والعمانية وغابت الكثير من التفاصيل التي كانت حاضرة في المدينة القديمة ولم يعد ذلك النظام موجودا ولا تلك الروح التي كانت تميز المدن عن بعضها بل ذابت كل تلك العناصر واصبحت المدن والقرى عبارة عن نسخة ممسوخة من  تخطيط حضري ظل طريقه. تتشابه مدننا وقرانا تشابها متطابقا في كونها مدنا ليست بالصديقة للانسان وانما هي أقرب الى علب اسمنتيه ليست بذات حياة ممزو...

الكفر الحلو

عرضت نفسي لجرعات من القراءة عن الذات وفهم النفس البشرية والعلاقة بين الروح والجسد، قرأت في الكثير من الثقافات والفلسفات الغربية والهندية والفارسية والتركية والعربية لمعرفة ماهية الإنسان والحكمة من خلقه، وعلاقته بخالقه وعلاقة الخالق به، وإلحاده وإيمانه، وتعصبه وتشدده، وعشقه ومقته، ومتى يصل الإنسان إلى المرحلة التي يجاهر فيها بكفره بالخالق. مما وقعت يدي عليه من قراءات كان عن الفكر الصوفي والتصوف في كل الملل والنحل فقرأت بعضا من كتابات الحلاج وابن عربي وأبو حامد الغزالي وقواعد العشق عند جلال الدين الرومي وبعض كتابات العمانيين عن التصوف (كانوا يطلقون عليه السلوك بدلا من التصوف) من أمثال الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي في كتابه نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وهو شرح لتائيتي ابن الفارض وأشعار الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي التي حملت مسحا من السلوك أو التصوف مثل سموط الثناء وعلى باب الكريم وغيرها من الأشعار والقصائد التي حملت حبا وعشقا وهياما في الذات الإلهية. غير أن أكثر ما ترك في ذاتي أثرا كبيرا عن الحب الإلهي هي رواية « قواعد العشق الأربعون، رواية عن جلال الدين الرومي» للروائية الت...