التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وآمعتصماه

     

   كلنا يعرف قصة المرأة التي استجارت بالخليفة المعتصم بالله عندما جار عليها الأعداء فاستنجدت بصرختها بأمير المؤمنين الذي هب لنجدتها، بعد تلك المرأة أصبح كل من أراد أن يستنجد بأحد من جور آخر، يصيح بأعلى صوته وامعتصماه فذهبت هذه الجملة مثلا للاستجارة وطلب النجدة.


في هذا الزمان أطلق كل من وقف احتجاجا على شيء لم يعجبه اسم "اعتصام"، وربما -أقول ربما- حملت هذه الكلمة دلالة على أن المعتصمين يستجيرون بمن يعصمهم ممن اعتدى عليهم.

 
شهدنا كما شهد غيرنا من بلاد العرب اعتصامات كثيرة منها ما طالب بتحسين مستوى معيشة وزيادة في الأجور ومنها ما طالب بأشياء ذهبت أبعد من لقمة العيش والوظيفة بكثير حينما طالبوا بدساتير وتعديل في بعض القوانين ومنهم من طالب بمحاكمات من أطلقوا عليهم رموزا للفساد.

تفرق شمل أغلب المعتصمين عقب فورة الغضب فأذهبت رياح الاصلاحات بعضا منها، في حين بقي الآخرون في خيامهم التي لم تزعزعها أو تقتلعها رياح المطالبات لهم بفك اعتصاماتهم أو ثنيهم عن مغادرة المكان.

اللافت في الأمر أن الاختلاف في وجهات النظر بين المطالبين بكسر اللام والمطالبين بفتحها لا يعدو كونه نقطة خلاف بسيطة يمكن تجاوزها وبسهولة تامة حيث إن الاختلاف هو سمة من سمات البشر وهي جبلة جبل الله الناس عليها منذ خلقهم وهو القائل عز وجل في كتابه الكريم (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة وما يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك) فالاختلاف هنا كما قال عنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي: "كيف يجتمعون على الإصغاء لرأي واحد وقد حكم عليهم في الأزل بأنهم لا يزالون مختلفين" فالله قد خلق الناس مختلفين في كثير من الأشياء منها اللون والعرق والدين والتفكير، والاختلاف في الرأي من الطبيعي أن يكون من إحدى سمات الخلق التي جبل الله المخلوقات عليها، فلذا وجب أن لا يتعصب الناس "المطالَبين والمطالِبين"لبعضهم البعض ويعتقدون أن ما يقومون به هو الصواب بعينه وأن ما يقوم به الآخر هو الخطأ ذاته، حيث إن هنالك فئة تعتقد بأنها على صواب والأخرى على خطأ والآخر ينظر إلى قرينه بأنه على خطأ وهو على الصواب ويبقى كثير من الناس ضائعا بين الفئتين يصدِّق من ويكذِّب من، يقف في صف من ويبتعد عن صف من.

يبقى الحوار هو الطريق الأقصر والأفضل والأسلم للوصول إلى تفاهم يمكن أن تلتقي فيه الأطراف بدون إحداث كثير من الجلبة والصخب ويمكن لكل طرف توضيح وجهة نظره للآخر بطريقة حضارية راقية ويستمع كل الطرفين للآخر، عندها سنجد أنفسنا بأننا لسنا بحاجة إلى اعتصامات ونداءات لمعتصم حتى ينجدنا مما نحن فيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة على ورق

      تختزن ذاكرتي بعض الصور القديمة عن مجلة أطفال كنت اشتريها كلما سنحت لي فرصة زيارة مدينة أكبر من قريتي، لم ترسخ في ذاكرتي قصص تلك المجلة ولا رسوماتها، فما رسخ وتسرب الى قاع عقلي هي صور الصغار التي كانت تزين الصفحات الداخلية لتلك المجلة، وكنت أتمنى لو أنه في يوم من الايام كانت صورتي وأنا مبتسم على إحدى تلك الصفحات وأكتب عن هوايتي بأنها " المراسلة"، فأبدأ في رسم صورة الكم الكبير الهائل من الرسائل التي تصلني عبر البريد من أصدقاء افتراضيين من كل العالم ومن كل الجنسيات ومن كل الاجناس يكتبون لي عن أنفسهم واسرتهم وأماكن اقامتهم وهواياتهم وأكتب أنا اليهم عن صور خيالية عما كنت أحلم به من حياة غير حقيقية لم تكن قريتي الصغيرة قادرة على توفيرها لي. أذكر أنني كتبت عن نفسي لاهلي في سن متأخرة بعدما خرجت من الجامعة وأكملت تعليما عاليا في دولة متقدمة في مجال البريد، كنت أرسل صوري التي أتباهي بها الى اسرتي وفي الخلف تعليق طريف على ذلك المشهد، كنت أستمتع بوضع تلك الصور في مظروف والذهاب الى مكتب البريد في الجهة المقابلة لمكان الاقامة، ولم يكن الرد ليأتي برسائل كالتي أرسلها ...

الكفر الحلو

عرضت نفسي لجرعات من القراءة عن الذات وفهم النفس البشرية والعلاقة بين الروح والجسد، قرأت في الكثير من الثقافات والفلسفات الغربية والهندية والفارسية والتركية والعربية لمعرفة ماهية الإنسان والحكمة من خلقه، وعلاقته بخالقه وعلاقة الخالق به، وإلحاده وإيمانه، وتعصبه وتشدده، وعشقه ومقته، ومتى يصل الإنسان إلى المرحلة التي يجاهر فيها بكفره بالخالق. مما وقعت يدي عليه من قراءات كان عن الفكر الصوفي والتصوف في كل الملل والنحل فقرأت بعضا من كتابات الحلاج وابن عربي وأبو حامد الغزالي وقواعد العشق عند جلال الدين الرومي وبعض كتابات العمانيين عن التصوف (كانوا يطلقون عليه السلوك بدلا من التصوف) من أمثال الشيخ ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي في كتابه نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك وهو شرح لتائيتي ابن الفارض وأشعار الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي التي حملت مسحا من السلوك أو التصوف مثل سموط الثناء وعلى باب الكريم وغيرها من الأشعار والقصائد التي حملت حبا وعشقا وهياما في الذات الإلهية. غير أن أكثر ما ترك في ذاتي أثرا كبيرا عن الحب الإلهي هي رواية « قواعد العشق الأربعون، رواية عن جلال الدين الرومي» للروائية الت...

دلالة القوة الناعمة في جنازة الملكة اليزبيث

وصف الكثيرون الجنازة المهيبة للملكة اليزبيث الثانية بأنها «جنازة القرن» وأن العالم لم يشهد خلال تاريخه جنازة تماثلها في الضخامة من حيثوو الترتيبات والبرتوكول المرسوم بدقة وعناية كبيرة لتفاصيل أول يوم من وفاتها وحتى مواراتها الثرى بعد عشرة أيام من الوفاة، وكما يقال فإن الملكة الراحلة هي من أشرفت بنفسها على مراسم جنازتها مع رجال الدين والعسكريين والأسرة الحاكمة ولم تترك احتمالات لحدوث أي أخطاء أو تجاوزات في الجنازة. هذا ما أسماه بعض المراقبين بالقوة الناعمة للملكة الراحلة وللملكة المتحدة حيث جذبت جنازة الملكة أنظار العالم أجمع وشغلت وسائل الإعلام خلال عشرة أيام وكانت الأنظار كلها متجهة إلى المملكة المتحدة تتابع مراسم تأبين الملكة وانتقال نعشها من منطقة لأخرى لإلقاء النظرة الأخيرة عليه إلى جولات الملك تشارلز الثالث في المقاطعات البريطانية وتنصيبه ملكا على المملكة المتحدة والكومنولث واختيار ابنه الأمير وليام لولاية العهد وغيرها من الأمور التي سرقت الأضواء وشغلت الناس خلال الأيام العشرة الماضية. القوة الناعمة وهي ضد القوة الخشنة أو الصلبة التي تستخدمها الدول والمجتمعات وحتى الأفراد باعتباره...