التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المثقف والسلطة




بدأ الدم يصعد إلى قمة رأسه وربما في تلك اللحظة وصل الى مرحلة الغليان، قال في نفسه لو كنت خارج أسوار هذا المكان لكان الرد على هذا المدعي سيأخذ منحى آخر. هيبة المكان ووقاره واحترامه لقداسة قاعة المحكمة وقبل هذا وذاك تقديره للقاضي ذو الشيب الابيض الذي يتوسط اثنان من القضاة هما في سن والده هو ما أجبره على كبت ما كان يهم بقوله لصديقه الذي يقاسمه المقعد لكنه قاله لنفسه وهو يضغط على قلمه الذي كان يدون به بعض الكلمات التي نطق بها ذلك المدعي.


لم يعر انتباها كثيرا الى مجريات المحكمة التي أخذ فيها صوت كلا من المحامي والمدعي العام يعلو تدريجيا، فما كان يشغل باله لحظتها ما تفوه بها ممثل الادعاء العام "من أن الصحيفة تحاول تأليب الرأي العام عن طريق من يسمون أنفسهم بالمثقفين"، معتبرا أن هذا الكلام موجه له هو شخصيا وأقرانه من الادباء والكتاب والمفكرين.


الكر والفر بين السلطة والمثقف هو دائما على هذا الحال في كثير من بلادنا العربية، فالسلطة ترى أن من حقها أن تشرف على ما يقال وينشر ويحق لها كذلك أيضا أن تحاكم وتقاضي وأحيانا تزج ببعض الاشخاص الى السجن إن ارتأت أن ما يتفوهون أو يكتبون أو يصرحون به من كلام قد يضر بالمجتمع ويسعى الى انشقاق وحدة الصف، والمثقفون على الجانب الاخر يعتبرون أنفسهم هم حماة الكلمة والساهرون على حرية الرأي والتعبير وهم أولا وأخيرا أبناء لهذا الوطن وتهمهم مصلحته كما تهم كل مواطن.


شواهد كثيرة على الانفصام الحاصل بين السلطة والمثقف فهما كقطبي المغناطيس لا ينجذبان لبعضهما البعض فهما دائما التنافر حتى وان حاول أي طرف أن يكون وسيطا بينهما . هذا الانفصام أزلي وقديم قدم الانسانية يرجعه بعض من بحث في هذه العلاقة الى زمن الفيلسوف والمفكر والمعلم اليوناني سقراط الذي اطلق عليه لقب الحكيم وحكم عليه بأن يتجرع السم وينهي حياته بنفسه بعد أن قضت هيئة المحلفين في المحكمة التي شكلت للنظر في قضيته بثبوت التهمة المنسوبة اليه وهي افساد الشباب والاساءة الى التقاليد الدينية لروما.


يحلل أحد الكتاب هذه العلاقة بأنها علاقة تقوم على الخوف من الآخر فالسلطة تخشى من المثقف وسلطته المعنوية ومن قوة أفكاره وعلمه وإبداعاته التي قد تهدِّد استقرار الحكم والمجتمع؟ والمثقف هو أيضا خائف من السلطة وقوتها وخائف على نفسه من أن يلقى جزاء مثل جزاء سقراط فلا يتجرَّأ على طرح أفكار جديدة أو نقد الأوضاع القائمة.


قد لا يكون هذا التحليل صائبا وقد ينحاز الى جزء من الصواب فهو يعتمد في المقام الاول على حالة المجتمع فإن كان المجتمع يعيش في أمان واستقرار ويتمتع فيه الجميع بالحرية والمساواة والعدالة فإن حالة الخوف بين الطرفين سوف تزول بزوال السبب، لكن ان سيطر عدم الاستقرار على ذلك المجتمع وبدأت حقوق الحياة للمواطن في التآكل فإن الخوف بين الطرفين سيكون حاضرا ويبقى كل من في المجتمع بطبقاته المختلفة خائفا من الآخر وهنا ستظهر علاقة أخرى يطلق عليها باللاتجاذبية بين المثقف والسلطة.


كردة فعل على ما سمعه من كلام ممثل الادعاء العام قرر هو وأقرانه من الادباء إطلاق بيان استنكروا فيه استخفاف الادعاء العام بهم وهم كعادتهم في مثل هذه المواقف فانهم لا يتوانون في ارسال رسائل ادانة وشجب لما تقوم به بعض مؤسسات السلطة من ممارسات لا تحضى بقبول من فئتهم المثقفة ولا تحضى كذلك كما يقولون بقبول كثير من فئات الرأي العام الذي هم جزء من نسيجه.


نسيت أن أعرج على تعريف محدد للمثقف من هو؟ وهل كل من وقف على منبر وكتب في جريدة وظهر على شاشة تلفزيون ليبدي وجهة نظره حول موضوع ما يعتبر مثقفا؟ أنا نفسي لا أملك اجابة لهذا السؤال لا سيما اذا عرفنا أن معنى "الثقافة" يشير الى ثقافة المجتمعات الانسانية والبشرية وهو في الاصل مصطلح أوربي بحت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة على ورق

      تختزن ذاكرتي بعض الصور القديمة عن مجلة أطفال كنت اشتريها كلما سنحت لي فرصة زيارة مدينة أكبر من قريتي، لم ترسخ في ذاكرتي قصص تلك المجلة ولا رسوماتها، فما رسخ وتسرب الى قاع عقلي هي صور الصغار التي كانت تزين الصفحات الداخلية لتلك المجلة، وكنت أتمنى لو أنه في يوم من الايام كانت صورتي وأنا مبتسم على إحدى تلك الصفحات وأكتب عن هوايتي بأنها " المراسلة"، فأبدأ في رسم صورة الكم الكبير الهائل من الرسائل التي تصلني عبر البريد من أصدقاء افتراضيين من كل العالم ومن كل الجنسيات ومن كل الاجناس يكتبون لي عن أنفسهم واسرتهم وأماكن اقامتهم وهواياتهم وأكتب أنا اليهم عن صور خيالية عما كنت أحلم به من حياة غير حقيقية لم تكن قريتي الصغيرة قادرة على توفيرها لي. أذكر أنني كتبت عن نفسي لاهلي في سن متأخرة بعدما خرجت من الجامعة وأكملت تعليما عاليا في دولة متقدمة في مجال البريد، كنت أرسل صوري التي أتباهي بها الى اسرتي وفي الخلف تعليق طريف على ذلك المشهد، كنت أستمتع بوضع تلك الصور في مظروف والذهاب الى مكتب البريد في الجهة المقابلة لمكان الاقامة، ولم يكن الرد ليأتي برسائل كالتي أرسلها ...

إجازات مبعثرة

  لم أتمكن من ضبط عقارب إجازة أبنائي النصف سنوية مع إجازتي فكل منا يدور في فلك تشابك الإجازات وتعقدها حتى غدا التفكير في إجازة عائلية شتوية ضربا من ضروب المستحيل وغاية من الصعوبة إدراكها مع تشرذم الإجازات وتقطعها بين إجازات قطاعات التعليم العام وقطاعات التعليم الخاص وإجازات الكليات والجامعات العامة والكليات والجامعات الخاصة. توحيد إجازة منتصف العام الشتوية مطلب عائلي تنشده كثير من الأسر والعوائل التي تجد فيها فسحة من صخب الكتب والدراسة والعمل وصخب الحياة وضجيجها وفرصة للابتعاد عن زحمة الحياة اليومية ولهاثات الشارع والطريق ووسيلة لتجديد الدماء والاستراحة والسياحة في كثير من الأماكن التي لا تصلح فيها السياحة إلا في الشتاء وعديد من الفوائد، غير أن تعارض إجازات المدارس والجامعات وتفرقها واختلافها من نظام تعليمي إلى آخر جعل من مسألة توحيد الإجازات أمرا ملحا وضروريا. كما بدا لي من خلال البحث القصير الذي قمت به على بعض أنظمة إجازات الطلبة في المستويات الدنيا والعليا في بعض الدول القريبة منا والبعيدة أنها لا تعاني كثيرا من مسألة توحيد الإجازة للطلبة والمدرسين فغالبا ما تبدأ الإجازة النصفية...

الخمسون

 انفرط عام من العمر كنت أتكئ عليه ليسندني من مزالق الكبر، شعيرات بيضاء نبتت في كل مكان باتت علامة واضحة على التقدم في العمر، الجسد المثقل بالكثير من متاعب الحياة لم يعد يحتمله عظم واهن. كلمات وهنهنات تسمعها بين فينة وأخرى تسمّيك مرة بالعم وأخرى بالوالد وغيرها بـ «الشايب» كلها علامات على كبر في السن بدأت صورها في الوضوح قليلا قليلا. عتبات الأربعين كانت ملاذا ومآلا للشباب فيها كل النعم والخيرات والبركات وفيها كما قيل اكتمال العقل ورجحان الفكر وإيتاء الحكمة واكتمال الحلم وفهم المنطق وفيها بعض من رائحة الثلاثين التي هي فورة الشباب وفتوته، وقوته، وعنفوانه، وسلطانه وقبلها العشرون التي كانت انطلاقة لسباق الحياة ومضمارها الطويل. العشرون ثم الثلاثون بعدها الأربعون وحبات العمر تبدأ في الانفراط واحدة تلو الأخرى حتى تصل إلى الخمسين التي هي بداية لعتبة كبرى وعقبة أخرى من عقبات وعتبات العمر يتغير فيها كل شيء ويتحول وكأنه بداية جديدة وميلاد جديد ينتقل فيه الإنسان من عقبة الشباب إلى عقبة الشيخوخة والكهولة ليبدأ فيها بالنزول التدريجي من قمة العمر وفورته إلى مسارات أخرى تكون أبطأ وأسهل مدفوعة بجهد س...