التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

كورونا : جدلية العلم والدين

    إن عطست الصين اصيب العالم كله بالبرد، فعطسة التنين الصيني زلزلت العالم واربكته وقلبته رأسا على عقب. بداية هذه الزلزلة كانت من مدينة ووهان الصينية عندما اجتاحها فيروس صغير عجزت عن رؤيته مجاهر العالم الصناعي المتقدم، ولم يكن في حسبان من اصيب به سوى انه فيروس صغير حاله حال اخوانه من قبله سيمكث قليلا حتى تطلع الشمس ثم يرحل كما رحل من الآخرون، غير أن هذا الفيروس خالف كل توقعات العلم والطب وتوقعات الثورة الصناعية والاقتصادية التي بلغت اوجها وأيضا خالف توقعات المتدينين اللذين لم يدر في خلدهم ولا حدسهم أن الله سيعاقبهم في يوم من الايام بعقاب يحرمهم حتى من اقامة صلاتهم في مساجدهم او الطواف في صحن بيته الحرام. في هذا المقال سأحاول التعاطي مع هذا الوباء من وجهة نظر مختلفة بعض الشيء، سأحاول دراسة الجدلية القائمة في المجتمع بين العلم والدين وكيفية تعاطي أنصار كل فريق مع هذا الوباء وتأثير هذا التعاطي على المجتمع الذي انقسم الى فئتين او أكثر. فئة المؤمنين بالعلم ممن يمجد ويعلي شأن كل ما هو علمي عقلي وينفي ما يتعارض مع ذلك، والفئة الاخرى النقيضة التي تؤمن أن كل ما يحدث في هذا الك...

الأب آخر من يعلم

   جرس الباب يرن فتهرع للطارق، أمام الباب شخص بسروال وقميص ممسك بإحدى يديه هاتفا محمولا وبالأخرى فنجان قهوة ورقي يخبرك أن طلبك قد وصل وأن الحساب قد دفع. تبقى مشدوهًا لبعض الوقت حتى يأتيك صوت من خلفك يعلمك أنه صاحب الطلب. ابنك المراهق اشتهى فنجان قهوة من محل عالمي لبيع القهوة فطلبه عبر تطبيق هاتفه. يقرع الجرس مرة أخرى لتجد موظفًا آخر يسلمك حقيبة يد طلبتها ابنتك الصغرى من بلد يقع آلاف الكيلومترات عنك فتستغرب ولكن يزول استغرابك بمجرد أن يصبح بيتك مزارًا لموصلي الطلبات اليومية. مشهد وقوف سيارات طلبات الطعام وغيرها من التوصيلات أمام المنازل بات أمرًا مألوفًا وبعيدًا عن الاستغراب ليس كما كان الحال عليه قبل سنتين أو أقل حيث كان وقوف سيارات غريبة أو دراجات نارية أمام المنازل أمرًا مشبوهًا، ويدعو إلى الاستنفار والاستهجان، لكن باتت كل هذه المشاهد أمرًا مألوفًا، ويتسابق أفراد العائلة على طلب كل ما يريدون من خلال تطبيقات الهاتف المختلفة والمتوزعة على كل أنواع السلع والبضائع حيث أصبح سوق الطلب والتوصيل عبر الإنترنت سوقا رائجا ويحقق أرقاما خيالية في المبيعات لدرجة أن أصحاب الأعم...

طماطنا هندي وجزرنا صيني

  لا غرابة في هذا الأمر فخضروات المائدة فضلا عن الفاكهة ومنذ زمن ليس باليسير هي مستوردة من الخارج، والاسباب وراء ذلك عديدة ومختلفة ومعقدة إن حُل أمر منها تشابكت أخرى، وهكذا حتى وصلنا الى أن الحل الأنجع لكل هذه الدوامة أن نكثر من استيراد ما نأكله. لست بصدد السؤال ولا الجواب عن انحسار الزراعة المحلية ولا بصدد السؤال أيضا ولا الجواب عن استسهال الإستيراد للخضر والفواكه، لان هنالك من سبقتني الى تلك المحاولة وعجز عن ايجاد جواب لهذه المعادلة، غير أن فضولي الصحفي أبى علي إلا أن أدس أنفي في هذا الموضوع والبحث والاستقصاء عنه، فقصدت متجراً صغيراً لبيع الخضروات والفواكه يديره شاب عماني في مقتبل عمره، فسألته عن سعر الطماطم الحمراء ومصدرها فقال بأن منها ما هو عربي ومنها ما هو أعجمي فأما العربي فيأتينا من جارتنا البعيدة الأردن التي تصغرنا مساحة بثلاث مرات، وأما الاجنبي فهو من الصديقة الهند التي نستورد منها الخضر والفواكه والبشر. سألته عن خضروات المائدة اليومية كالجزر والخيار والخس والباذنجان وغيرها فعدد لي كثير من الدول حتى وصل الى الصين، فسألته أين العماني منها فأجاب بأنه ال...

شهادة أم خبرة

  ندمت على سنوات عمري التي قضيتها في الدراسة، أكثر من عقدين من الزمان وأنا أرهق نفسي في المذاكرة والتحضير والحفظ والفهم منكبا ما بين كتاب للغة وآخر للرياضيات وغيره للكيمياء والفيزياء. علوم يرفض عقلي الترحيب بها وعلوم أخرى يكره حتى سماع اسمها ولكن كان لا مناص من دراستها لتأتي النتيجة في النهاية دائرة حمراء تزين الشهادة الورقية ويأتي بعدها تأنيب وضرب على الإهمال وقضاء الوقت في اللعب والمرح. لو أنني ولدت في عصر البرمجة والذكاء الاصطناعي لما احتجت إلى دفتر وكراسة ولاكتفيت بشراء هاتف آيفون أكس أو كمبيوتر أبل ماك بوك برو ولأمضيت العقدين من الزمان منكبا عليهما لأنني في النهاية سوف أضمن الحصول على الوظيفة التي تدر علي دخلا أكبر بعشر مرات من وظيفة طبيب أو مهندس سهر ليله وقضى نهاره منكبا على كتب تعلمه علوما أجزم أنه لم يستفد من نصفها وإنما كانت لإكمال ساعات أو لسد وقت فراغ أو لأنها مناهج لم يقم أحد بمراجعتها منذ قرون من الزمان فصارت فرضا لازما على الطالب دراستها. الوظيفة المحتملة في أبل وأخواتها من شركات التقنية مثل جوجل وفيسبوك وغيرها من الشركات المتربعة اليوم على عرش ...

دردشة وكلام فارغ

تقرأ عن القيمة السوقية لبرنامج محادثة صغير يحتل مساحة صغيرة من ذاكرة هاتفك لكنه يحتلك أنت بكامل قواك العقلية فتجدها تفوق ميزانية دولة كبرى يربو تعداد شعبها على المليون نسمة ومواردها تتعدد بين الذهب الأسود والأبيض والأحمر وقس عليها كل الألوان الطبيعية والصناعية فتنبهر بالأرقام الخرافية والفلكية التي يقوم عليها هذا البرنامج الذي لا يوفر سوى دردشة وكلام فارغ بلغتنا العربية الدارجة ومساحة معقولة من الترفيه والتسلية وقليلا من التجارة والاستثمار وتسلم أخيرا في نهاية حملقتك في الأرقام بأن هذا النوع من الاستثمار هو أفضل أنواع الاستثمارات التي مرت على البشرية على الإطلاق وغيرها من الاستثمارات ما هي إلا ملاليم بسيطة. برامج الدردشة واللعب والكلام الفاضي هي برامج الاستثمار اليوم وهي السائدة والرائجة والرابحة في عالم اليوم فمن أراد التجارة الرابحة فعليه بها ومن أراد الضفر بالدنيا وملايينها فعليه بها، فكرة صغيرة بسيطة لا تكلف صاحبها سوى بضعة ريالات أو بلغة البزنس بضعة دولارات خضراء ومكان صغير قد لا يزيد عن غرفة صغيرة في قبو مهجور تبدأ فيه مشروعك المليوني بنقرة زر صغيرة وبمجموعة أصغر من زملائك ينش...

دين الحب - قراءة في رواية موت صغير

كنت قد سمعت به لكنني لم أقرأ « قندسه» التي حصل فيها على جائزة معهد العالم العربي بباريس بترجمتها الفرنسية؛ ولا قرأت سقف الكفاية ولا صوفيا ولا حتى طوَّق الطهارة؛ غير أن اسمه كان يتردد صاخبا في أروقة البوكر بأنه الروائي المنتظر للفوز بها هذا العام فقبلها كانت « القندس» قاب قوسين من الفوز بها حيث وصلت الى القائمة القصيرة في عام 2013. في معرض الكتاب الأخير اقنعني « الساقي» بأن « موت صغير» هي أفضل ما كتب من روايات لهذا العام وربما هي أفضل ما كتب عن التصوف الاسلامي فهي تتبع خطى الشيخ الأكبر وسلطان العارفين محيي الدين بن عربي منذ ولادته في الأندلس في منتصف القرن السادس الهجري وحتى وفاته في دمشق، قلبت بين يدي بضعا من صفحاتها التي تقارب الستمائة صفحة وبنظرة خاطفة شدتني اللغة والأسلوب اللتان كتبا بهما الرواية. بعد اعلان محمد حسن علوان فائزا بالبوكر عن روايته «موت صغير» أخرجت الكتاب من خزانته وعزمت على قراءته لمعرفة تفاصيل حياة أكثر المتصوفين شغلا لحياة الناس ليس لأفكاره التي خالف فيها من عاصروه وانما ايضا لترحاله في كثير من بلاد الله في سبيل بحثه عن العلم والمعرفة وايضا كما يسرد علوان في ال...

باعة متجولون

صيف حار وشمس صاهدة بلا شك ولكنها لقمة العيش، كما يقول من وقف على قدميه طيلة نهاره أمام ناصية شارع يبيع خضارا أو فاكهة، يشوي لحما أو يبيع سمكا، يقلي ذرة صفراء أو يتاجر في خرداوات جمعها من هنا وهناك، هذا هو حاله وديدنه منذ أن تطلع شمسه وحتى قبل أو بعد أن تغرب، يأتي شخص ويذهب غيره والحال كما هو، مكان تعارف عليه العامة من الناس بأنه مكان بيع اقتطع من أرض هي ربما ملك لشخص أو جهة ولكنها توفر ملجأ ولقمة عيش كريمة لصاحبها وتوفر في ذات الوقت ثمنا أزهد لمشترٍ عجز عن ابتياع متاعه من باعة لا يرحمون. هذا هو مشهد الباعة المتجولين والمشترين المتجولين، كلهم مخالفون للقانون والنظام، فلا الباعة ملتزمون بقواعد البيع والشراء والصحة والنظافة، ولا المشترين أيضا ملتزمون بقواعد الصحة والسلامة التي تكون على المحك عند شرائهم لمنتجات لم تخضع لفحوص أو إشراف من قبل جهات الإشراف، ولكن لن يتوقف الباعة وأيضا لن يتوقف المشترون فكل منهم له مصلحة كبرى في الكسب من الآخر وفي ذات الوقت لن تتوقف الجهات المناط بها الإشراف على هؤلاء عن مخالفتهم لارتكابهم جرم العمل بدون تصريح ومنافستهم للباعة الحقيقيين ممن يذهب نصف دخلهم عل...