التخطي إلى المحتوى الرئيسي

صناعة التفاهة





عبدالله بن سالم الشعيلي
Twitter:@ashouily
مقطع فيديو على اليوتيوب لكلب يرفض الذهاب مع صاحبه إلى البيت حصد أكثر من خمسة عشر مليون مشاهدة حتى الآن، شاهدت الفيديو بدافع الفضول وبدافع كتابة هذا المقال فلم أجد شيئا يستحق المشاهدة أو المتابعة ولم أرَ أية فائدة ترتجى من مشاهدة كلب يقعي على الأرض حين يحاول صاحبه اصطحابه للمنزل فعلمت أنني قد وقعت في فخ التفاهة وصناعتها التي باتت تسم حياتنا الحديثة مع ولوجنا إلى العالم الرقمي الجديد بأدواته المختلفة. أكملت تقليب صفحات الإنترنت فقرأت عن حملة يقودها بعض ممن حملوا لافتات تقول «توقفوا عن جعل الأغبياء مشاهير» فقلت في نفسي إن ذلك غير ممكن فمن وصفوا بالمشاهير هم ممن يتسيد المشهد الإعلامي في العالم أجمع، وكما قال نيتشة يوما: إن «التفاهة وحدها التي تجني أرباحا كثيرة هذه الايام» هذا ما قاله فريديرك نيتشة عن أيامه التي لم يكن بها وسائل للتواصل الاجتماعي ولا شهدت ثورة للاتصالات فما بالنا باليوم الذي نحن نعيشه ونشهد فيه كل يوم صنفا ونوعا جديدا من التفاهة والسخافة؟! قرأت مقالا كتبه الأديب المصري توفيق الحكيم هاجم فيه التفاهة والسخافة في عصره ووصفه بالعصر «الشكوكي» نسبة إلى شكوكو وقصة هذا المقال أن الحكيم يشبه ويصف العصر الذي كان يعيش فيه بأنه عصر انحطاط للثقافة والمعرفة وارتفاع لأسهم التفاهة والتافهين، وتحكي قصة المقال سؤال أحدهم له عن مدى معرفته بـ «شكوكو» فأجاب بأنه لا يعرفه الأمر الذي حدى بشكوكو بتحدي الحكيم في ميدان عام لمعرفة لمن سينجذب الناس ويتجمعون وهنا اغتاظ الحكيم فكتب مقاله الذي ينعي فيه انحطاط الثقافة المصرية والعربية. أولى درجات صناعة التفاهة تبدأ بتسطيح الثقافة والمعرفة ونعت المثقف والمتعلم بنعوت تبين درجة تخلفه ورجعيته ووصفه بوصوف تظهره بالفقر وعدم معرفته بأساليب وأساسيات الحياة الحديثة وبعده عن كثير من التقنيات الحديثة وانكبابه الدائم على كتبه ودفاتره، وتبيان أن القراءة والبحث والمعرفة ليست هي السلعة الرائجة في عالم اليوم فالأجدى مشاهدة فنان عن متابعة مثقف أو قارئ، وثاني درجات تثبيت هذه الصناعة هي التقليل من العادات والقيم وتشبيه من يتمسك بها بأنه يعيش في عالم آخر قديم غير العالم الحديث، وحث الناس على عدم التمسك بتلك القيم الرجعية والانتقال إلى عالم يخلو من القيم العادات واتخاذ بعض المشاهير ممن تفسخوا من تلك القيم كقدوات لهم، ويكون على رأس سلم هذه الصناعة تلميع التافهين وتقديمهم للناس عبر وسائل الإعلام المختلفة لاتخاذهم قدوات يحتذى بها وهنا تبدأ هذه الصناعة في إنتاج تفاهتها ونشرها على الملأ. قديما كانت التفاهة تصنع وتدار بأيدي مؤسسات لها رؤاها واستراتيجياتها وأجندتها الخاصة بها في ذلك ويتم الترويج والتسويق لها عبر قنوات معروفة ومشهورة لها من يشاهدها ويتابعها، أما اليوم فقد صارت التفاهة أمرا مشاعا متاحا للجميع يمكن للفرد أن يمارس تفاهته بنفسه وعلى الملأ، والفضل في ذلك يعود إلى الوسائل الحديثة في التواصل التي أتاحت منابر مجانية للجميع كي ينشروا تفاهاتهم وسخافاتهم عليها طوال اليوم من دون أن يتدخل حسيب أو رقيب على ما يبثونه من سخف وتفاهة. قد يرى البعض أنني أبالغ وأقسو على الكثيرين بوصفي هذا وأن ما يقدم لا يعدو كونه من أبواب حرية التعبير التي أتيحت للجميع ويشترك فيها الجميع وأن ما يحق لفرد مثقف أن ينشره يحق لآخر سخيف أن ينشره والحكم في ذلك يبقى للناس أو للجمهور في تقبل من يرونه مناسبا لأذواقهم، وهنا أحيل الأمر إلى الفيلسوف الكندي آلن دونو في كتابه «نظام التفاهة» حين قال: إن التافهين من حولنا كثر وهم يطلون علينا من كل مكان ويدخلون بيوتنا عنوة ولا نملك كثير حيلة لطردهم. فعلا إن حيلتنا قليلة في طردهم والسيطرة عليهم فهم يكبرون ويزدادون ويتعملقون يوما بعد يوم وصناعتهم تزدهر يوما بعد يوم ولا نملك من حيلة سوى ترديد العبارة ذاتها «أن لا نجعل من الأغبياء مشاهير» لأن حياتنا ستصبح تافهة بعد ذلك.

FacebookTwitterWhatsAppLinkedInCopy LinkFacebook Messenger
Gmail

x

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة على ورق

      تختزن ذاكرتي بعض الصور القديمة عن مجلة أطفال كنت اشتريها كلما سنحت لي فرصة زيارة مدينة أكبر من قريتي، لم ترسخ في ذاكرتي قصص تلك المجلة ولا رسوماتها، فما رسخ وتسرب الى قاع عقلي هي صور الصغار التي كانت تزين الصفحات الداخلية لتلك المجلة، وكنت أتمنى لو أنه في يوم من الايام كانت صورتي وأنا مبتسم على إحدى تلك الصفحات وأكتب عن هوايتي بأنها " المراسلة"، فأبدأ في رسم صورة الكم الكبير الهائل من الرسائل التي تصلني عبر البريد من أصدقاء افتراضيين من كل العالم ومن كل الجنسيات ومن كل الاجناس يكتبون لي عن أنفسهم واسرتهم وأماكن اقامتهم وهواياتهم وأكتب أنا اليهم عن صور خيالية عما كنت أحلم به من حياة غير حقيقية لم تكن قريتي الصغيرة قادرة على توفيرها لي. أذكر أنني كتبت عن نفسي لاهلي في سن متأخرة بعدما خرجت من الجامعة وأكملت تعليما عاليا في دولة متقدمة في مجال البريد، كنت أرسل صوري التي أتباهي بها الى اسرتي وفي الخلف تعليق طريف على ذلك المشهد، كنت أستمتع بوضع تلك الصور في مظروف والذهاب الى مكتب البريد في الجهة المقابلة لمكان الاقامة، ولم يكن الرد ليأتي برسائل كالتي أرسلها ...

إجازات مبعثرة

  لم أتمكن من ضبط عقارب إجازة أبنائي النصف سنوية مع إجازتي فكل منا يدور في فلك تشابك الإجازات وتعقدها حتى غدا التفكير في إجازة عائلية شتوية ضربا من ضروب المستحيل وغاية من الصعوبة إدراكها مع تشرذم الإجازات وتقطعها بين إجازات قطاعات التعليم العام وقطاعات التعليم الخاص وإجازات الكليات والجامعات العامة والكليات والجامعات الخاصة. توحيد إجازة منتصف العام الشتوية مطلب عائلي تنشده كثير من الأسر والعوائل التي تجد فيها فسحة من صخب الكتب والدراسة والعمل وصخب الحياة وضجيجها وفرصة للابتعاد عن زحمة الحياة اليومية ولهاثات الشارع والطريق ووسيلة لتجديد الدماء والاستراحة والسياحة في كثير من الأماكن التي لا تصلح فيها السياحة إلا في الشتاء وعديد من الفوائد، غير أن تعارض إجازات المدارس والجامعات وتفرقها واختلافها من نظام تعليمي إلى آخر جعل من مسألة توحيد الإجازات أمرا ملحا وضروريا. كما بدا لي من خلال البحث القصير الذي قمت به على بعض أنظمة إجازات الطلبة في المستويات الدنيا والعليا في بعض الدول القريبة منا والبعيدة أنها لا تعاني كثيرا من مسألة توحيد الإجازة للطلبة والمدرسين فغالبا ما تبدأ الإجازة النصفية...

الخمسون

 انفرط عام من العمر كنت أتكئ عليه ليسندني من مزالق الكبر، شعيرات بيضاء نبتت في كل مكان باتت علامة واضحة على التقدم في العمر، الجسد المثقل بالكثير من متاعب الحياة لم يعد يحتمله عظم واهن. كلمات وهنهنات تسمعها بين فينة وأخرى تسمّيك مرة بالعم وأخرى بالوالد وغيرها بـ «الشايب» كلها علامات على كبر في السن بدأت صورها في الوضوح قليلا قليلا. عتبات الأربعين كانت ملاذا ومآلا للشباب فيها كل النعم والخيرات والبركات وفيها كما قيل اكتمال العقل ورجحان الفكر وإيتاء الحكمة واكتمال الحلم وفهم المنطق وفيها بعض من رائحة الثلاثين التي هي فورة الشباب وفتوته، وقوته، وعنفوانه، وسلطانه وقبلها العشرون التي كانت انطلاقة لسباق الحياة ومضمارها الطويل. العشرون ثم الثلاثون بعدها الأربعون وحبات العمر تبدأ في الانفراط واحدة تلو الأخرى حتى تصل إلى الخمسين التي هي بداية لعتبة كبرى وعقبة أخرى من عقبات وعتبات العمر يتغير فيها كل شيء ويتحول وكأنه بداية جديدة وميلاد جديد ينتقل فيه الإنسان من عقبة الشباب إلى عقبة الشيخوخة والكهولة ليبدأ فيها بالنزول التدريجي من قمة العمر وفورته إلى مسارات أخرى تكون أبطأ وأسهل مدفوعة بجهد س...